لست هنا بصدد تمجيد شخص أبو جهل لا معاذ الله - ولم اختر هذا العنوان بشكل عشوائي لجذب القارئ الكريم.
ولكن هي وقفه فكرية وقفتها ﻷكثر من مرة على حكم و دروس خلدها التاريخ عن هذا الرجل ، حكم و دروس تعلمتها من هذا النموذج المعادي للإسلام أشد العداء - النموذج الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه فرعون هذه اﻷمة - توقفت عند تخليد سيرة هذا الرجل كرمز من رموز الشر في التاريخ الاسلامي - لذا وجدت ان تخليد القران و السنة الشريفه لأسمه - ذكرا - و أفعالا - و صفاتا - جدير بأن نمعن العقل والرأي فيه و لفهم ما يحدث حولنا من تجسيد لنماذج جاهليه مشابهة ﻷبي جهل ممن يتبنون فكره كل يوم - وتسعى وبكل ما أتاها الله من قوة و سلطة و إمكانيات لنشر الفساد و إضلال الحق - وكما أن للحق رجالا صمدوا عليه حتى آخر قطرة من دمائهم - فإن للباطل رجال صمدوا عليه حتى آخر أنفاس حياتهم ، و لكي تواجه عدوا ، ﻻبد لك في البداية أن تتعرف عليه لتعلم ماذا ومن ستواجه !
* الحكمة
لنتعرف على أبو جهل قبل الخوض في الحديث عنه ابو جهل هو : عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي الكناني كان سيدا من سادات بني قريش من قبيلة كنانة وكان من أشد المعادين لنبي الله محمد صل الله عليه وسلم وكنيته أبا الحكم ﻻنه كان من حكماء قريش وكان عضوا في دار الندوة التي كان يجتمع فيها أولي الرأي من سادات قريش وقد دخل دار الندوة و هو ابن الخامسة والعشرون .. وكان ذلك سعيا منه للوصول الى هدفه الذي قاتل المسلمين عليه وعاش و مات من أجله ، الشرف و المكانة والمجد. ثم لقب بأبي جهل لتخبطه في الرأي ضد المسلمين وطيشة وسرعة غضبه، وهو من دعا رسول الله فيهم حين قال (اللهم أعز الاسلام بأحد العمرين)
عمر بن الخطاب..
و عمرو بن هشام...
*حياة المبادئ
رغم أن حياة ابو الجهل قد كُرست لمحاربة الاسلام والمسلمين - إلا أن التاريخ قد شهد له بمواقف دافع فيها ببسالة عن شرف المبادئ وعاش رجلا صاحب قضية صادق فيها ومات عليها لم يردعه عنها رادع,قضية جعلها محور حياته ، والتصق بها كالتصاقة بالظله ، وسارت في أوردته و بين شرايينه ، انها اعتناق الفكرة حتى تتنفسها ، وترى كل ما حولك من خلالها ، فتحب فيها و تكره ـ وتعادي فيها وتنصر، لايهمك من أيدك ومن عاداك ، فإيمانك بالقضية أكبر من أن يصدك عنها بشر !
*المروؤة
حين أراد كفار قريش قتل نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم - واجتمع الفتيه الاربعون أمام بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر أحدهم الى داخل البيت فوجد رجلا مغطى - فاطمأنوا أن محمد بالداخل - قال أحد الفتية حين طال اﻹنتظار ( افلا نتسور على محمد ) أي نتسلق ونقفز إلى داخل البيت - هنا - صاح أبو جهل قائلا لا واللات لا نفع! ، حتى لا تقول العرب أننا فزعنا بنات محمد ! يريد قتله ويمتنع عن إفزاع أهل بيته لان تلك ليس من صفات الفرسان و ﻻ من سمات العرب - الا يستحق منا احتراما ؟!
أجزم أن سيدي رسول الله كان ليثني على فعله هذا . . !
*الشرف والكرم
لقد كان أبو جهل بالقرآن معجبا لكنه لم يصرح بذلك مطلقا , لكن أفعاله كشفت ذلك, إذ خرج ليلا متخفيا ليستمع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن فجلس يستمع من الليل حتى أدركة الصبح وبينما هو عائد الى بيته إذ لقي بالطريق أبو سفيان و الاخنس بن شريق- قد فعلا مثل ما فعل من الاستماع سرا - فتعاهدوا جميعا على ألا يعودوا الى ذلك - ولكن هيهات - رجعوا في الليلة الثانية ثم تعاهدوا ثم عادوا في الثالثة وفي كل مرة يتعاهدوا على ان لا يعودوا - وفي الاخيرة راح الاخنس يسأل ابو جهل عن رأيه في القران فيقول ( تنازعنا نحن و بنو عبد مناف على الشرف . اطعموا فاطعمنا . وحملوا فحملنا . و اعطوا فاعطينا . حتى إدا تجاثينا وكنا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه ؟! ﻻ والله لا نؤمن به أبدا وﻻ نصدقه!
لقد كان سؤال الاخنس عن القرآن وكان رد ابو جهل عن القضية الحاضرة في ذهنه وتشغل باله و وجدانه. قضية التنافس والشرف. هذا ماعاش لأجله أما القران فلم يستطع ان يتكلم عليه بشئ ينتقصه به وحاشا لكلام الله ان يجد به عيبا .
تمني الهلاك على التراجع
ترى فيما رواه البخاري عن انس بن مالك رضى الله عنه قال قال ابو جهل : اللهم إن كان هذا مو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او اتينا بعذاب اليم ..!!
آثر الموت بل العذاب و السخط على التراجع عن قضيته ، فاتحمل العذاب عنده أهون من فقد الشرف والمكانة و خسرن القضية التي كرس حياته لأجلها.
*البحث المستمر عن المجد - بين الحق والباطل
رغم أن المجد الشخصي الذي كان يبحث عنه ابوجهل هو مجد مذموم يظهر الباطل و يطمس الحق إلا أن حياة ابو جهل مثال و نموذج يحتذى به لصناعه نموذج لشخصية قيادية صلبه ومتألقه ﻻ تعرف الخضوع للمغريات.وﻻ تقبل السير مع التيار. متمسك برأيه و ساعي الى اثبات نفسه وسط تخبط الافكار وتصارع التيارات و عدم وضوح الرؤية..كانت حياة ابو جهل حياة روح تبحث دائما عن المجد والشرف واثبات وجودها بالقوة .. وقد كانت قريش ترفع اسماؤها باعمال مجيدة وكان ابو جهل سباقا في ذلك حتى عرف كاحد رجال قريش المشهورين باكرام الحجيج و اطعام الطعام .. وبرز كافارس شجاع من شجعان العرب .. لكن شجاعتة هذه أدت به الى الهلاك في بدر ﻻنه لم يختر ان يوجهها الى المسار الصحيح ..
*ﻻ خضوع ﻻ استسلام في الوصول الى الهدف
ابو جهل هو الشخص الوحيد الذي تجرأ وأعلنها صراحتا انه سيخلص قريش من محمد حين توعد و بمحاولة فردية ان يقتل نبي الله صل الله عليه وسلم فاتاه وهو يصلي بين الركن اليماني والحجر الاسود والكعبة بينه وبين الشام فحمل حجرا ثقيلا واقبل عليه أمام مرأى من قريش ..ثم تتفاجئ قريش بأبي جهل قد عاد اليهم متغير اللون يملأ قلبه الرعب قد تيبست يداه على الحجر ثم يقفذف الحجر من يده ويقول : قمت لمحمد لافعل به ما قلت لكم فلما دنوت منه عرض لي فحل من الابل لا والله مارايت مثل هامته و لا مثل قصرته وﻻ انيابه لفحل قط ،فهم أن يأكلني !!
ثم يتجلى تمسكه القوي بقضيته و انه ﻻ تراجع فيها و ﻻ استسلام حين تزعم حصار المسلمين في شعب ابي طالب .. ورغم ان قلوب قريش قد رقت الا انه بقي صامدا معارضا و وقف في وجوههم ولم تأخدهم رحمة وﻻ شفقة بالمسلمين رغم وجود الاطفال والنساء !!
*التضحية بالنفس والعرض في مقابل الدفاع عن القضية
رغم كل تلك المواقف التي ذكرتها لأبوجهل مدافعا عن الشرف والمروؤة وتحليه بصفات الفرسان الشجعان في أصعب المواقف واكثرها غرابه، إلا أنه يتنازل عن كل ذلك حين ضاقت به السبل و ضعفت قواه،فيضرب بيده القذرة بعنف وقسوة بنت الصديق أسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما مخالفا بذلك كل ماعاش عليه من قيم و مبادئ ..ماذا حدث ؟!
لقد اختلت موازين الحكمة لديه .. وصعب على عقله ان يفهم قوة تلك المرأه الضعيفه أمام سيد وفارس من فرسان العرب .. وزاد خزيه خزي اكبر حين تعدى على سمية بنت خياط في اول الإسلام وجعل يطعنها حتى قتلها..وقتل معها كل مبادئه .
مالذي جعله ياترى يفقد كل ذلك .. يضرب ويقتل رغم سعيه الدؤوب للحفاظ على شرفه وسمعته ومجده..انها القضية..!!
قضية فاسده نعم!! لكنه عاش يدافع عنها، سارت بين كريات دمعه حتى أجبرته على التخلي عن كل مانسميه اليوم بالعادات والتقاليد في سبيل تحقيق غاية اكبر الا وهي المحافظة على شرف القبيلة و عزهم ومكانتهم بين القبائل.. وهنا يكمن تفانيه في خدمة القضية الكبرى على حساب نفسه.!
*توفير كل المسخرات والإمكانيات للدفاع عن القضية
لم يتوقف ظلم ابو جهل عند محاربة المسلمين فقط!
بل سخر كل ماله و وقته و مهاراته و نفوذه لصد الناس عن الإسلام فتراه يأتي ابوطالب حين موته و رسول الله عنده يقول له(ياعم قل ﻻ إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله ) وابو جهل صاحب القضية الحاضر دائما للدفاع عنها عند رأسه يذكره : يا ابا طالب أترغب عن ملة عبدالمطلب؟!-ومازال به حتى قال ابو طالب اخر ماكلمهم به(على ملة عبدالمطلب وابى أن يقول الشهادة ) ...!
أي قوة تلك التى يسخرها الرجل في الباطل فتجعله يفرض رأيه وسلطانه على سيد من سادات قريش وهو عدوا له !!!!
*حتى عند سقوطه ظل صامدا
لم يكن سقوط ابي جهل سقوطا لشخص بل كان سقوطا لنموذج - مازال وسيظل يقتدى به ممن ينتمون الى مذهبه في محاربة الاسلام والمسلمين وتراه حين ارسل الرسول صل الله عليه وسلم ابن مسعود لينظر ماذا حل بأبي جهل فلقاه ابن مسعود يصارع الموت فقال له ( هل اخزاك الله ياعدو الله ؟!)قال ابو جهل وهو السيد الشريف في قومه (وبماذا اخزاني أأعمد في رجل قتلتموه ؟!او هل فوق رجل قتلتموه؟!)) ثم قال في أسف : لو ان غير "أكار" قتلني ؟! ( اكار في لغة العرب هو المزارع ) ثم قال لابن مسعود :اخبرني لمن الدائرة اليوم؟! فقال ابن مسعود -رضي الله عنه - وقد وضع قدمه على رقبته: (لله ورسوله ) فيرد وبينه وبين قطع رقبته حد السيف: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يارويعي الغنم !! فيقطع رأسه أبن مسعود ويأتي به الى النبي)
سبحان الله !
يصارع الموت والسيف على نحره قد شع بريقه.يكاد يفصل رأسه عن جسده..لكنه مازال يحتقر مهنة قاتله و يزدري عمله متفاخرا بما عاش لأجله متحسرا انه قتل على يد أكار متمنيا أن قد نال الموت على يد سيد من سادات العرب!
اي قوة تلك واي ثبات ذلك الذي يجسده لنا أبو جهل في الدفاع عن قضيته.
- و هنا وقفه -
إن الجزاء من جنس العمل فالله سبحانه وتعالى حين كلف الإنسان وحمله الامانه أعطاه شرف الاختيار ومتى ما سقط عنه الاختيار سقط التكليف، الماء الذي انقذ موسى في اليم وهو ضعيف.. هو نفسه الذي اغرق فرعون وهو قوي ..
والحجارة التي شيدت بها حضارة قوم لوط.. هي نفسها التى اهلكهم بها ..وكما ذكرت سابقا ان رسول الله صل الله عليه وسلم دعى الله ان يعز الاسلام بأحد العمرين - فالو أن ابو جهل اختار الطريق الصحيح في تبنيه للقضية لتخلد ذكره معزا ومنصفنا للاسلام والمسلمين ولعله سمي فاروقا !!- لكن اختياره المتعجرف جعله يخسر ماكان يدافع عنه - فقد شرفه و سمعته و قتل على يدي مزارع وقطع رأسة روعي الغنم وهم عند الله أكرم و أجل - ثم خلد اسمه جاهلا الى يوم القيامة - فالجزاء اذا من جنس العمل.. ويقول احد الحكماء (الانسان من جنس افعاله) أي أن الانسان يعيش ويموت على ماكان تعود عليه في حياته. .فمن عاش لقضية مات عليها..ومن عاش ضائعا مات كما عاش .. وهذا مع الاسف حال بعضنا اليوم بحثهم المستمر عن التميز والمجد الشخصي والشهره ينحرف بهم الى سلوكيات غير أخلاقية و تدني في مستوى التعاملات وضياع فكري كبير ثم يصبحون من الاخسرين اعمالا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا .. !!
الجمعة
28 Mar 2014